الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

228

نفحات القرآن

اللغوي الذي يعني السعة والامتداد ، « 1 » وقد تحملت جماعة من المفسّرين مشقّة كبيرة للعثور على طول الجنّة بسبب الخطأ الذي وقعوا فيه في فهم معنى « العرض » . وقال البعض أيضاً : إنّ لهذا التعبير بُعد كنائىٌّ ، لأنّ أوسع ما يمكن أن يتصوّره ذهن الإنسان هو عرض السماوات والأرض ، وإلّا فسعتها الحقيقية أكبر من هذا بكثير . وممّا يلفت الانتباه أنّ الحديث ابتدأ أولًا بالمغفرة الإلهيّة ، ثم تطرق ثانياً إلى الجنّة وما فيها من امتداد وذلك لأنّ المغفرة تعني التطهر من الذنوب ونيل الاستحقاق في القرب الإلهي وهو ما يفوق الجنّة أهميّة ، إضافة إلى أنّ الطهارة والمغفرة إذا لم تتحققا ، فلن يكون هناك طريق للجنّة . الفعل « سابقوا » مأخوذ من مصدر « المسابقة » وهو إشارة إلى هذه المسألة التي تعني أنّ للجنّة والمغفرة أهميّة بالغة تحتّم على المؤمنين بذل الجهد لبلوغهما كما يفعل الابطال عادة حين التسابق لبلوغ هدف معيّن . ويفهم من هذا التعبير أيضاً أنّ هذه الدنيا لا تعدو أن تكون سوى حلبة سباق والهدف النهائي لها هو ذلك العالم . ولكن على أي شيء يجري التسابق ؟ لقد وضع الكثير من المفسيرين أصابعهم على مصاديق خاصة دون سواها ، كأمثال التسابق نحو « الإسلام » أو « الهجرة » أو « الصلوات الخمس » أو « الجهاد » أو « التوبة » . إِلّا أنّه من الواضح أنّ الآية تحمل مفهوماً أوسع يشمل جميع الطاعات والأعمال الصالحة ، وأنّ ما ورد في كلام هذه المجموعة من المفسرين يمثّل في الواقع مصداقاً واحداً من هذا المفهوم الواسع .

--> ( 1 ) . قال الكثير من أصحاب اللغة أنّ « العرض » يقابل « الطول » . لكنهم لم ينكروا أنّ العرض جاء أيضاً بمعنىالسعة ، ووفقاً لما ورد في كتاب « التحقيق في كلمات القرآن الكريم » المعنى الأصل للعرض هو وضع الشيء في مقابل الانظار ، ولما كان نظر الإنسان غالباً ما يقع على عرض الأشياء لا طولها ، لذلك استخدمت هذه الكلمة في المعنى المذكور أعلاه ، وعلى هذا فعرض السماوات والأرض في الآية التي نبحثها يعني كل وجودهما الذي يمكن مشاهدته .